صورة تعبيرية: متظاهرون يرتدون أقنعة ترمز إلى الأويغور
مهما كان الصياد يُحسن من المكائد، فكذلك الدب يعرف طرقًا للنجاة. هكذا يخبرنا محمود الكاشغري، المتوفى في القرن الحادي عشر، في كتابه الخالد: «ديوان لغة الترك». ولعل هذا المثل القديم هو خير طريقة نفهم بها كيف يعيش الشعب الأويغوري اليوم تحت وطأة آلة الاستعمار الصينية التي تقوض كل مظاهر الحياة في تركستان الشرقية تحت عنوان «حرب الشعب على الإرهاب».
وقد تبدو عبارة الاستعمار الصيني عبارةً مدهشة ومثيرة للتعجب للوهلة الأولى. بيد أن هذا بالضبط هو مكمن حجة بايلر الأساسية في كتابه هذا، وهو أن الممارسات القمعية في تركستان الشرقية/شينجيانغ إنما هي إعادة إنتاج كاملة الأركان للاستعمار الاستيطاني الغربي، بل هي تجربة استيطانية رائدة بذاتها، بما أمكنها توظيفه وتطويره من إمكانات وآليات للتسييج والسلب والإزالة.
لقد كان الجرح الصيني الغائر، الذي بدأ بحرب الأفيون، دافعًا قويًا إلى تدعيم هيمنة الجمهورية الشعبية وفرض إرادتها، ولو بوسائل الاستعمار نفسها. ولعل هذه هي الفرضية الأساسية التي يطرحها الكاتب، وهي أن الاستعمار الاستيطاني لم يكن أبدًا حكرًا على العالم الغربي، وأن أذرعه، التي ما برحت تتغذى من الرأسمالية العالمية وتنميها في الوقت نفسه، ممتدة وتمارس عنفها وإرهابها في أماكن مختلفة من عالمنا.
إن كتاب «رأسمالية الإرهاب: السلب الكولونيالي والذكورة الأويغورية في مدينة صينية» هو تتويج وتوثيق لدراسة أنثروبولوجية أجراها مؤلفه لمدة عامين، متنقلًا بين عدة مدن وقرى تركستانية، قام خلالها بعقد صداقات مع شباب من الأويغور والمستوطنين الهان.
إن ما يطرحه الكتاب من محاولة استيعاب الممارسات التي يعاني منها مسلمو الأويغور تحت مسمى «حرب الشعب على الإرهاب»، ضمن سياقها الأوسع، متمثلًا في الرأسمالية العالمية، وليس ضمن سياق استبداد الدولة الشيوعية، كما قد يُتوهم من الصور القديمة المتخلفة من شعارات الحرب الباردة، نقطة فارقة في فهم حقيقة كل من رأسمالية الدولة وبنية الاستعمار الذي لا يزال يتجدد ويرسخ وجوده في صور جديدة.
وانطلاقًا من هذا التأطير، يتمكن المؤلف من ربط عدة نماذج من سياسات القمع والفصل العنصري التي يتم شرعنتها تحت مسمى محاربة الإرهاب. ومن هنا تأتي تسمية الكتاب: «رأسمالية الإرهاب»، لافتة النظر إلى ما بين خصوص المأساة الأويغورية وبين عموم ظواهر عالمية أخرى من وشائج.
بيد أن الكتاب، باعتباره دراسة أنثروبولوجية، وباعتبار توجهات المؤلف، باعتباره مؤلفًا نسويًا مناهضًا للاستعمار، كما يعرف نفسه، ينطلق من التجربة الإنسانية وينتهي إليها. فهو لا يركز على تقنيات الاستيلاء والسلب والمراقبة إلا باعتبار تأثيرها على الذات الإنسانية وأساليب تعامل الذات مع هذا الواقع.
إن أي نظرة منصفة تتحرى الحقيقة، لن تنطلق في بحثها من أية مقولات سردية تتصل بالظاهرة، بقدر ما ستحاول الرجوع إلى جذور القضية بالبحث عن نقطة الصدام الأولى، إن تيسر الوقوف عليها في التاريخ القريب، وذلك على فرض استمرارية المكون الاجتماعي للأطراف، فضلًا عن تعالق الأوضاع والوقائع وخلوها من الانقلابات الجذرية أو الانقطاعات الظاهرة.
وهكذا يؤطر المؤلف للمسألة بداية من تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حيث كانت نسبة السكان الهان في منطقة تركستان الشرقية لا تتعدى 6%. وصولًا إلى يومنا هذا، حيث بلغت هذه النسبة 40%، فيما انخفضت نسبة الأويغور إلى 50% من السكان، في صيرورة بدأت بغرض تأمين الحدود الغربية وتحويل المراعي التقليدية إلى مستوطنات زراعية يُعاد توزيع قدامى المحاربين فيها.
وسرعان ما استحالت هذه العملية إلى تسييج للأراضي والموارد العامة للأويغور، مع إقصائهم عن كافة المشروعات.
«وعلى الرغم من أن هذه الموجة مستقلة إلى حد كبير عن تواريخ العبودية في أمريكا الشمالية وأوروبا، فإنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسيرورات الاستعمار الاستيطاني الغربية والعنصرية الجديدة، المتمثلة في الإسلاموفوبيا الغربية والحرب على الإرهاب. ولا ريب أن تطبيق نظام المرور (passbook system)، وبناء معسكرات الاعتقال والبنية التحتية لنظام الشرطة الشبكي... كلها إجراءات تطابق ما شهدته جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، والأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل» (ص 19).
وتبلغ هذه الصيرورة ذروتها في المرحلة الحالية التي تستهدف التغيير الاجتماعي القسري، وتتميز بالتسييج التقني كسمة أساسية، حيث يسعى المؤلف إلى توضيح أن سيطرة القبضة الأمنية تتجاوز معسكرات الاعتقال بما يشمل الحياة الخاصة لكل فرد مسلم أويغوري، سواء أكان انتماؤه إلى المجتمع الحضري أم الريفي، وسواء أكان عضوًا نشيطًا داخل النظام أم عنصرًا مهمشًا.
ففي هذه المرحلة يمثل الأويغوري وجودًا مستباحًا، حيث ممتلكاته وأرضه عرضة للمصادرة بلا تعويض، وجسده عرضة للاحتجاز والاستخدام في العمالة القسرية، وأفكاره وكلماته محاصرة بأكواد وأنساق لا يمكنه أن يتحداها دون استسلام مسبق لمصير مجهول.
وتمثل أوصاف الإرهاب والحرب على الإرهاب تتويجًا للتمييز العنصري، بما يواكب خطابات الإرهاب العالمي، وبما يمثل رابطًا بين رأسمالية الدولة وبين المحاربة الصريحة للهوية المسلمة للأقلية الأويغورية، متذرعة بأحداث معدودة لا ترقى إلى وصف المقاومة المسلحة.
على أن هذا الفصل والتمييز، وما يترتب عليه من التسييج والاغتصاب والسلب، إنما هو منتج رأسمالي أصيل يُعاد إنتاجه منذ النشأة الأولى للرأسمالية، وليس جانبًا عرضيًا في هذا التكوين، وهو ما نراه جليًا في حالتنا هذه، حيث تُسيَّر المراقبة والهيمنة على حيوات الناس بالاعتماد على قطاع خاص من الشركات الأمنية التي تُعرف بمتعاقدي الشرطة، وذلك بالتوازي مع نهب الموارد والمقدرات الذي توجهه رأسمالية الدولة بلا شك.
ونجد في هذا السياق: «أوجه تشابه مهمة بين الاعتقال الجماعي للأويغور والاعتقال الجماعي للأمريكيين السود، إذ يولد نظاما السجن الجماعي كلاهما أرباحًا ووظائف، بينما يلحقان في الوقت ذاته دمارًا كبيرًا بإعادة الإنتاج الاجتماعي للأويغور والأمريكيين السود... أما الفارق الرئيس فيتمثل في تحويل الأويغور إلى هدف للمسخ الاقتصادي بوصفهم عمالًا مسخرين خلف نقاط التفتيش وتحت مراقبة الكاميرات والأقمار الصناعية، فيما يخضعون في الوقت ذاته لإعادة التأهيل المعرفي» (ص 40).
تقوم السياسات الصينية إزاء الأويغور على مبدأ التصنيف المرن، حيث تُقسم الكتلة السكانية إلى عدة فئات تتفاوت بين درجات الخطورة من ناحية، ومدى التكيف الاجتماعي مع الأنماط الاستعمارية من ناحية أخرى، ويمكن لأي ممارسة أو إشارة أن تنتقل بالشخص من فئة إلى أخرى.
وهكذا تستحيل المراقبة الشاملة أداةً لاستعمار الوجدان وتوجيه الأفكار والمشاعر. «وكما بينت آن ستولر (2010)، فإن تقنيات تصنيف التفاصيل والسلوكيات الخاصة للسكان المستهدفين مشحونة سياسيًا في السياقات الكولونيالية المعاصرة، لا لأنها تميط اللثام عن الحقائق الجوانية لحياة الناس، بل لأنها تروم تحويل المعرفة الاجتماعية-الثقافية إلى سلاح يُخضع به أولئك الذين يحملون هذه الخبرة... وتصعد التقانة المستخدمة في المشروعات الصينية لاحتواء السكان الأويغور وتغييرهم، أنظمة السيطرة هذه إلى مستويات جديدة من التكثيف والتركيز» (ص 51).
فالتصنيف الإجمالي يرتكز على خصائص ضعف الإنتاجية والخطورة المحتملة، بما يقصي الفرد الأويغوري من أدنى مزايا البروليتاريا ومن أقل الحقوق الدستورية للمواطنة. ثم يعقب هذا الوصم درجات من التصنيف تتراوح بين الاعتقال أو إعادة التأهيل أو الإدماج النسبي، وبين كل هذه الخيارات، فلا شك أن أفضلها هو أن تكون مستبعدًا مهمشًا من قبل النظام، حيث إن الإدماج بحد ذاته ليس خيارًا تعاقديًا يمكنك التراجع عنه، ومتطلباته تجعلك تابعًا أدنى من المنظور الهاني، وخائنًا متواطئًا من منظور شعبك!
ثم تأتي البيانات التي توفرها التقنية المتطورة محددًا ووسيلةً أساسية لهذا التصنيف، بدءًا من نقاط التفتيش، مرورًا ببياناتك الحيوية، وانتهاءً بمنشور أو رسالة على «وي شات». فمع التنامي المتسارع لكفاءة الخوارزميات ومحركات البحث، يتحول هاتفك المحمول إلى قنبلة موقوتة قد تردي بك في أي لحظة.
وعندما تتمتع شركات القطاع الخاص في هذا المجال بمزايا الاحتكار النسبي، والتوجه الاستثماري الحكومي، والعقود الإدارية المجزية، فإنها لا تدخر جهدًا في تيسير أهداف الدولة وتنفيذ سياساتها في هذا المضمار.
يركز المؤلف على سياسات الممانعة لدى الأقلية الأويغورية بوصفها طرقًا لانتزاع العيش، ففي حين تقف سياسات الفصل العنصري شاهدة على الظلم البالغ الذي تتعرض له هذه الأقلية، فإن شعب الأويغور يتوسل بطرائق متنوعة للصمود أمام هذه المحاولات.
ولعل أهم ما يمكن الإشارة إليه منها مفهومان:
ينبع مفهوم المسافر من التراث الإسلامي الصوفي، الذي يتبلور في حالة الدرويش المتجول الذي لا مسكن له، كضرب من الذوبان في الإدراك الإسلامي الكلي الذي يقتضي بأن الحياة ليست دار مقام، وإنما دار عبور، وبينما يحفل التراث الشعبي للأويغور بأمثلة على هذه الحالة، يلجأ كثير من الشباب الأويغوري إلى هذا التعريف الذاتي جنبًا إلى جنب مع كل طموحاتهم في الاستقرار والتجذر في المدينة.
ويمكننا أن نرى الفرق الظاهر بين سالكٍ ولى ظهره لحياة الاستقرار وللسعي الدنيوي اختيارًا وإقبالًا، وبين مهجرٍ ومطاردٍ لم يجد بدًّا من حياة الترحال، بيد أن هذا الوعي الوجودي المستمد من تراث عريق، قد لعب دورًا كبيرًا في تحايل الأويغوري على حصاره، وتكييف نمط عيشه دون التسليم لهذا الحصار. ولعلنا نرى من خلال هذا النموذج كيف يكون إنكار الباطل بالقلب نقطة فاصلة بين خنوع المستسلم وحيلة الممانع، وذلك من خلال أمثلة حياتية عديدة يطرحها المؤلف.
تمثل الصداقة بين شباب الأويغور في المدن المستعمرة تجربة إنسانية ذات دلالات اجتماعية وثقافية عميقة، إذ تتجاوز كونها مجرد علاقة إنسانية ثانوية أو ظاهرة خاضعة للتفاوت، لتغدو مرآة لمظاهر المعاناة الجماعية وأداةً من أدوات المقاومة في آنٍ واحد. فهذه الظاهرة التي ينعتها المؤلف في قراءته الأنثروبولوجية بـ«الصداقة المناهضة للاستعمار»، والتي تبلغ ذروتها فيما يعبر عنه اللسان الأويغوري بصداقة الحياة والكبِد (ص 219)، لم تنشأ لسد فراغ اجتماعي، بل انبثقت كضرورة حياتية في ظل ظروف قاسية من الاضطهاد والإذلال وعدم الاستقرار الاقتصادي، وتأخر سن الزواج، وتحديات الحياة اليومية التي فرضتها بيئة الإقصاء والسلب والتهميش. فلا عجب أن أسهمت هذه الظروف في ترسيخ الصداقة بما يجعلها أكثر محورية إذا ما قورنت بسياقات اجتماعية أخرى لا تحظى فيها بذات الأهمية.
وغني عن التنبيه أن مطالعة الأمثلة التي أوردها المؤلف على هذا قد تنحو بالقارئ إلى استحضار نماذج مشابهة، فلا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها حالة فريدة من كل الجهات، فإن مركزية الصداقة في التجربة الأويغورية ترتبط بطبيعة سياق الضغوطات البنيوية التي أفرزت هذا النوع من التضامن، وهو ما يتوفر في سياقات إنسانية لا حصر لها.
أما البعد الثاني لهذه الصداقة، فهو أنها وسيلة للمقاومة الاجتماعية والنفسية. فالشاب الأويغوري يجد نفسه فردًا أعزل في مواجهة منظومة قمعية واسعة النطاق تحد من قدرته على الفعل والتأثير، بل وتحجم خياراته إلى حد مرعب. ففي مثل هذا الحصار تبرز الصداقة، بما تؤمنه من ممارسة تواصلية وتضامنية، باعتبارها قاعدة مقاومة ثقافية ونفسية، بل وأساسًا للسردية المشتركة. وعلى الرغم من أن الأمثلة التي يستند إليها المؤلف لا تزخر بلحظات بطولية أو بأفعال مقاومة تصادمية، فإنها تكشف عن أشكال يومية من التساند الإنساني تمثل فيها الصداقة ملجأً تنسجه وحدة العناء.
ليست كل الحكايات سواء في ذيوعها وتوجه الأنظار إليها، وهذا مما جرت به الأقدار. ولعله من العوامل في ذلك أن الاهتمام بالضحية صورة للاهتمام بالجاني، كما يقول محمود درويش. بيد أن قدرنا الذي نصوغه ينبغي أن يكون نابضًا وشاهدًا ومستقصيًا كل النكبات التي تقطعت بها أوصالنا وترسخ بها الظلم في هذا العالم، إذ إن العدوان واحد وإن تعددت أشكاله وألوانه.
إن حكاية الشعب الأويغوري وقضيته لا تستمد أهميتها من سياقاتها الإنسانية، وما يتولد عنها من مسؤولية الشعوب المسلمة والحرة تجاهها، فحسب، بل إن لها خطرًا أبعد، وهي أنها قضية تقف بكل حمولاتها الدينية والقومية والإنسانية خصمًا لأحد مظاهر الشر في عالم اليوم، ألا وهي تقانة العقلنة المجردة عن القيمة، التي لا تخدم سوى المزيد من الاستعباد الحديث.